حقوق الإنسان في غواتيمالا.. آمال الإصلاح تصطدم بتحديات الإفلات من العقاب

ضمن فعاليات الدورة 61 لمجلس حقوق الإنسان

حقوق الإنسان في غواتيمالا.. آمال الإصلاح تصطدم بتحديات الإفلات من العقاب
غواتيمالا - أرشيف

في بلدٍ ما زال يحمل جراح ماضيه المثقل بالعنف وعدم المساواة، تعود غواتيمالا إلى دائرة الضوء الحقوقي الدولي من جديد، فخلال الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف المقرر عقدها خلال الفترة من 23 فبراير الجاري وحتى 31 مارس المقبل، سيُناقَش التقرير السنوي المفصل حول حالة حقوق الإنسان في البلاد، في لحظة توصف بأنها مفصلية لمسار العدالة وسيادة القانون.

ويوثق التقرير الذي أعدّته مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان واقع الحقوق والحريات في غواتيمالا خلال عام 2025، متتبعًا بدقة ما تحقق من تقدم وما بقي عالقًا من أزمات تمسّ استقلال القضاء وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان وحقوق الشعوب الأصلية وحرية التعبير.

ويأتي هذا النقاش في سياق سياسي واجتماعي دقيق، حيث تتقاطع مطالب الإصلاح مع تحديات الإفلات من العقاب، وتتصاعد المخاوف بشأن تقلص المساحات المدنية. 

وبين مؤشرات إيجابية محدودة وتحذيرات من انتكاسات محتملة، يطرح التقرير سؤالًا جوهريًا.. هل تسير غواتيمالا فعلاً نحو ترسيخ دولة الحقوق، أم إن الطريق لا يزال محفوفًا بالعقبات البنيوية؟

ويمثل عرض التقرير أمام المجلس اختبارًا حقيقيًا لالتزام الدولة بتعهداتها الدولية، وفرصة للمجتمع الدولي لدعم مسار يضع كرامة الإنسان في صميم السياسات العامة، ويضمن ألا تبقى الحقوق مجرد نصوص، بل واقع ملموس في حياة المواطنين.

تعزيز قيم المساواة

يصف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، في تقريره السنوي الجهود الحثيثة التي بذلتها السلطات الغواتيمالية لتعزيز قيم المساواة وتحقيق التنمية البشرية المستدامة التي تشمل الجميع دون استثناء.

ويؤكد تورك أن الدولة تواجه تحديات بنيوية تتطلب إصلاحات جذرية في منظومة العدالة، مشدداً على أن صون الحيز الديمقراطي هو الضمانة الأساسية لمنع التراجع عن المكتسبات الحقوقية، خاصة في ظل استمرار نفوذ شبكات الفساد التي تسعى لتقويض مؤسسات الدولة وإضعاف سيادة القانون.

وسجلت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في غواتيمالا تصاعداً في وتيرة الترهيب والملاحقات القضائية التعسفية التي تستهدف القضاة والمدعين العامين والمحامين المنخرطين في قضايا مكافحة الفساد الكبرى.

وأوضحت الممثلة السامية لمكتب المفوضية في غواتيمالا، ميكايلا ماركيز دي لا كومب، أن استقلال السلطة القضائية يمر باختبار حقيقي، حيث تم رصد محاولات مستمرة لإساءة استخدام النظام الجنائي لمعاقبة الفاعلين العدليين، وهو ما يتطلب استجابة وطنية ودولية منسقة لضمان نزاهة القضاء وحماية القائمين على إنفاذ القانون من أي ضغوط سياسية أو جنائية خارجية.

اتخاذ تدابير عاجلة

دعا التقرير الأممي بضرورة اتخاذ تدابير عاجلة وملموسة للقضاء على كافة أشكال العنف ضد النساء والفتيات، ومعالجة الفجوات الهيكلية التي تكرس التمييز ضد الشعوب الأصلية والمنحدرين من أصل إفريقي.

وبيّن تورك أن مكافحة الإفلات من العقاب تظل الأولوية القصوى لضمان عدم تكرار انتهاكات الماضي، داعياً الحكومة إلى سرعة تنفيذ التوصيات الصادرة عن اللجان الدولية، ومنها الملاحظات الختامية للجنة القضاء على التمييز ضد المرأة لعام 2023، والملاحظات المرتقبة للجنة القضاء على التمييز العنصري المقررة لعام 2025، لضمان مواءمة التشريعات الوطنية مع المعايير العالمية.

وأثنت المفوضية على انفتاح الحكومة على الحوار مع المجتمعات المحلية، لكنها حذرت في الوقت ذاته من التهديدات التي تطول المدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء البيئيين في المناطق الريفية. 

وأكدت دي لا كومب أن حماية المدافعين عن الحقوق، وخاصة قادة الشعوب الأصلية، تستوجب وضع "خطة عمل طويلة الأمد" تهدف إلى معالجة الأسباب الجذرية للصراعات المتعلقة بملكية الأراضي، وتوفر بيئة آمنة تتيح للمجتمعات ممارسة حقها في التعبير والتجمع السلمي دون خوف من الملاحقة أو الاعتداء الجسدي.

وأعرب المشاركون في الرصد الميداني عن قلقهم إزاء تدهور الأوضاع الأمنية في بعض القطاعات، ما يؤثر بشكل مباشر في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للسكان الأكثر فقراً.

وأكد تورك أن مكتبه في غواتيمالا سيواصل تقديم الدعم الفني والمشورة القانونية للمؤسسات الوطنية لتعزيز قدراتها في رصد الانتهاكات، مطالباً المجتمع الدولي بتقديم الدعم السياسي والمالي اللازم لتمكين المفوضية من أداء مهامها الرقابية في هذا الوقت الحرج الذي تمر به البلاد، لضمان تنفيذ إصلاحات أمنية وعدلية حقيقية تخدم كافة أطياف المجتمع.

الإفلات من العقاب

يختتم التقرير بدعوة صريحة للدولة الغواتيمالية لتبني سياسات شاملة تضع كرامة الإنسان في صدارة الأولويات الوطنية وتنهي حقبة الإفلات من العقاب.

وتشدد الممثلة السامية دي لا كومب على أن نجاح غواتيمالا في هذا الاختبار يتوقف على مدى قدرتها على حماية المدافعين عن حقوق الإنسان واستعادة الثقة في النظام القضائي، ما يجعل من الدورة 61 القادمة لمجلس حقوق الإنسان منصة دولية محورية لتقييم مدى جدية السلطات في تحويل هذه التوصيات الأممية إلى واقع ملموس يحفظ حقوق الأجيال الحالية والقادمة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية